الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

185

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والآية ( 79 ) من سورة النساء تشير إلى المعنى المذكور بقولها : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك . وروي في أصول الكافي عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، في إجابته على سؤال لأحد أصحابه حول مسألة الجبر والاختيار ، أنه قال : " أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم قال علي بن الحسين ، قال الله عز وجل : يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ، وبقوتي أديت فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا بصيرا ، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وذلك أني أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك مني " ( 1 ) . وفي نهاية الآية يصدر الأمر العام لأجل إيقاظ الضالين وتقوية روحية المهتدين ، بالقول : فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . فالآية دليل ناطق على حرية إرادة الإنسان ، فإن كانت الهداية والضلال أمرين إجباريين ، لم يكن هناك معنى للسير في الأرض والنظر إلى عاقبة المكذبين ، فالأمر بالسير بحد ذاته تأكيد على اختيار الإنسان في تعيين مصيره بنفسه وليس هو مجبر على ذلك . وثمة بحوث كثيرة وشيقة في القرآن الكريم بخصوص مسألة السير في الأرض مع التأمل في عاقبة الأمور ، وقد شرح ذلك مفصلا في تفسيرنا للآية ( 137 ) من سورة آل عمران . الآية الأخير من الآيات مورد البحث تؤكد التسلية لقلب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتبيان ما وصلت إليه حال الضالين : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين . " تحرص " من مادة ( حرص ) ، وهو طلب الشئ بجدية وسعي شديد .

--> 1 - أصول الكافي ، ج 1 ، ص 160 ( باب الجبر والقدر - الحديث 12 ) .